هل توقف تَارَحُ في حاران لأنه شاخ وعجز عن التقدم في المسير، أو لأنه أحب حاران كثيرًا فلم يستطع أن يغادرها، أو لأنه سقط قلبه عندما تطلع إلى وعورة الطريق التي كان عليهم أن يقطعوها لإكمال رحلتهم؟ على أي حال إنه لم يُرِد أن يُكمل المسير، وقد أعاق ابنه، وهكذا أكمل مدلول اسمه: “تعوَّق” أو “عوَّق”. فكانت تلك المدة فترة ركود في طاعة أبرام، فلم يتلق فيها أمرًا جديدًا من إلهه، أو مواعيدًا جديدة.
خليق بنا أن نحرص كل الحرص في انتقاء الأشخاص الذين يرافقوننا في غربتنا. فإننا قد نبدأ بداية حسنة في الخروج من أور، ولكننا إن أخذنا تَارَح معنا فلا نتقدم إلى الأمام. فاحرص كل الحرص أيها الشاب في انتقاء شريكة حياتك. واحرص كل الحرص أيها التاجر في انتقاء شريكك. ولنحذر جميعًا كل الحذر من روح المُهادنة التي تجربنا بالبقاء حيث يريدنا الأحباء أن نبقى. ألم نسمعهم مرارًا يهمسون في آذاننا قائلين: لماذا التطرف؟ نحن مستعدون للمسير معكم إلى حاران فقط. لماذا تفكرون في المسير إلى أبعد من ذلك وأنتم لا تعلمون إلى أين تسيرون؟ هذه تجربة أشد من المقاومة المكشوفة. ونحن إذ ننخدع بإغراءات العالم التي تحاول أن تعطل مسيرنا، قد نعتزم بأن لا نخطو خطوة واحدة إلى الأمام نحو هدفنا البعيد.
وهكذا كان لا بد أن يموت تَارَح لكي يستأنف أبرام المسيره. وهنا قد نجد حلاً لبعض ما غمض علينا من أعمال الله معنا التي حيَّرت عقولنا في الماضي، فنفهم لماذا خابت آمالنا، أو لماذا لحقت بنا الخسائر، أو لماذا تمرد علينا البنون. ربما كانت تلك الأمور سببًا في تعطيل تقدمنا الحقيقي، فاضطر الله - رحمةً بنا - أن يمسك السكين بيمينه ويفك عقالنا ويطلق أسرنا لنتمتع بالحرية.