إيه أيها النداءُ، هل لقلبى الأليمِ قد انطلقتَ؟ هل لأرجُلٍ أخطأتِ الطريقَ، فغدا البَدَنُ يبتعِدُ، حتى توارى عن أعيُنِ ناظِرِهِ، ولهذا الضالِ قد ناديتَ؟ بماذا تناديني، انصحني، رُبَّما في هذهِ الليلةِ برجوعي قد أُمَرت؟ أَعنيفَ عنادي وقسوةَ قلبي اليوم قد كَسرت؟ نادني، انصحنىي أَدموعَ عينيَّ أم دموعَ قلبي، أصراخَ النهارِ أم الليلِ، أفي أوَّلِ هُزعِ الليلِ أم في آخرِهِ، من نفسي الحائرةِ قد طلبتَ!!
الآياتُ المذكورةُ أعلاه، ترِدُ في مراثي إرميا، ولقد كتَبَهُ كملحَقٍ لنبوةِ إرميا بعدَ المرحلةِ الثالثةِ من السبي البابلي، التى تمت حوالي 587 ق.م. ولقد أدلى إرميا بمراثيه هذهِ 586ق.م تقريبًا. بعدَ أن تمَّ بحذافيرِهِ كُلُّ ما تنبَأَ بِهِ إرميا بالوحيِّ من وعيدٍ لهذا الشعبِ العنيد. وفي هذا النداءِ، أخَذَ إرميا يقودُ قلبَ العُصاةِ، مَنْ ذَهَبوا للسبي، إلى التوبةِ، ويقينًا إن واحدًا من دروبِ العودةِ هو البكاءُ المُقدَّسُ والانتحابُ على ما مضى: «سمعًا سمعِتُ أفرايمَ ينتحِبُ: ادَّبتني فتأدَّبتُ... توبني فأتوب،لأنك أنت الربُّ إلهي» ( إر 17: 31 ). وهذا عينُ ما سيحدُث في ضيق يعقوبَ، فسيعلو نداءُ إرميا للشعبِ الآئِبِ بالبكاءِ المُقدَّسِ، كمنهاجٍ قد وَجَبَ: «وينوحون عليه كنائحٍ على وحيدٍ له» ( زك 10: 12 )
بجمع الآيتَينِ المذكورتَين، نجيبُ على كُلِّ ما اختَلَجَ نفسَ السائِلِ في المقدمةِ، بالفعلِ، إنها دموعٌ كثيرةٌ: «اسْكُبِي الدَّمْعَ كَنَهْرٍ»، كما أنَّها دموعُ العينين والقلب: «لا تكُفَّ حَدَقةُ عينِكِ»، «اسْكُبِي كَمِيَاهٍ قَلْبَكِ»، بل هو صُراخَ القلبِ نهارًا وليلًا: «اسْكُبِي الدَّمْعَ كَنَهْرٍ نَهَارًا وَلَيْل»، أخيرًا هو في أوَّلِ الهُزُعِ وليس في آخِرِهِ؛ لماذا؟ لكي يكونَ ليلُ البكاء المُقَدَّسِ طويلًا، والنَدَمَ على ما مضى كثيرًا، فيواتينا الغفَّارُ بالإجابةِ أخيرًا: «وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ غَسَلَتْ رِجْلَيَّ بِالدُّمُوعِ ... قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاهَا الْكَثِيرَةُ» (لو47،44:7).