هذا التعبير: “طِينِ الْحَمْأَةِ” هو تشبيه بلاغي، يُصوِّر حالة الفساد والبُعد عن الله، ويذكِّرنا بتلك الحياة التي كنا نحياها قبل تعرفنا على ربنا يسوع المخلِّص والفادي. فكلمة “الْحَمْأَة” تقابل كلمة “الوحَل”. ويُقال إن “الْحَمْأَة” هي عبارة عن الطين الأسود المتعفن. وهل نجد صورة أدق من هذه، تُكلِّمنا عما كنا عليه في خطايانا. فاللون الأسود يتكلم عن ظلام الجهل الذي كنا فيه، وعن عَمَى البُعد عن الله. والعَفَن يتكلَّم عن كل ما كانت تُصدره وتُنتجه طبيعتنا الفاسدة. وأفضل ما كان ينطبق على حالتنا وقتئذٍ هي كلمات مرثا لربنا المعبود، عن أخيها: «يَا سَيِّدُ، قَدْ أَنْتَنَ لأَنَّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ» ( يو 11: 39 ).
لكن يا للعجب! فإن ابن الله الحبيب جاء إلينا، مدفوعًا بمحبةٍ قوية كالموت ( نش 8: 6 )، ووصل إلى حيث أوصلتنا خطايانا. وكان عليه أن يغوص - تبارك اسمه - في هذه الْحَمْأَة العَفِنة، لكي ينتشلنا من وَحَل ذنوبنا، إذ قيلَ عنه: «وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا» ( إش 53: 6 ). فلقد عُلِق ربنا المعبود على صليب العار ليأخذ عقابنا ودينونتنا.
ألا تسمعه عزيزي صارخًا: «خَلِّصْنِي يَا اَللهُ، لأَنَّ الْمِيَاهَ قَدْ دَخَلَتْ إِلَى نَفْسِي. غَرِقْتُ فِي حَمْأَةٍ عَمِيقَةٍ، وَلَيْسَ مَقَرٌّ» ( مز 69: 1 ، 2). كان هذا لأنه «حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ» ( 1بط 2: 24 ). فكم نحن مدينون لحَمَل الله الكريم، إذ بهذا العمل العظيم أصعدنا من“طِينِ الْحَمْأَةِ”، وجعل في أفواهنا ترنيمة جديدة! فيا لعظمة، ويا لروعة محبة بلا حدود، أكبر وأوسع من كل التصورات!
يا ليتنا نتفاعل بصدق مع هذا الحب الكبير، فنُكرم ونقدِّر سيدنا الغالي، فنحيا لأجله حياة الأمانة، والتكريس الحقيقي.