الأعداد الثلاثة الأولى في عبرانيين 11 تضع أمامنا ثلاثة مبادئ عظيمة عن الإيمان:
أولاً: الإيمان يجعل الأشياء غير المنظورة، حقيقية مؤكدة «وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى» (ع1): هذا العدد يُخبرنا بما يفعله الايمان، وليست ماهيته. فالإيمان يؤكد لنا الأشياء التي نرجوها، كما أن الأمور غير المنظورة تصبح للمؤمنين حقيقية، كما لو كانت أشياء حاضرة نراها.
ثانيًا: الإيمان يمنح لمن يمتلكه شهادة حسنة «فَإِنَّهُ فِي هذَا شُهِدَ لِلْقُدَمَاءِ» أو “بالإيمان نال القدماء شهادة حسنة”: ولم تكن تلك الشهادة بسبب أعمالهم أو حياتهم، بل لإيمانهم. كانوا رجالاً ونساء تحت الآلام مثلنا، ولقد تشوهت حياة كل منهم غالبًا بفشل معين. وعلى الرغم من كل هذا الفشل، لكنهم تميزوا بالإيمان باللّه، وبالإيمان نالوا تلك الشهادة الحسنة (ع2، 39).
ثالثًا: الإيمان يقودنا لفهم الأشياء التي تقع خارج حدود الإنسان الطبيعي «بِالإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ، حَتَّى لَمْ يَتَكَوَّنْ مَا يُرَى مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ» (ع3): فالإنسان الطبيعي في عداوة قلبه لِلّه، يطلب - بالعقل والمنطق - براهين لوجود هذا الكون، بدون اللّه. ويُسّر في زعمه بأن أصل هذا الكون في المادة وقوى الطبيعة العمياء. وهكذا تؤلَف النظريات، وكأنها آخر ما وصلت إليه القريحة والذكاء والحكمة الإنسانية. والإنسان مشغول دائمًا بما هو ظاهر. ولكن اللّه يقرر هذا الأمر أن ما هو منظور حولنا لم يتخذ وجوده أصلاً مما هو ظاهر. والمؤمن يدرك بالإيمان كيف تشكّل هذا الكون. إننا نعلم أن أصل المادة لم تكن من المادة، فالأشياء التي نراها لم تتكون مما هو ظاهر. والإيمان يفهم أن الكون قد أتى إلى الوجود بكلمة اللّه.