إذا كان المخلوق يستطيع أن يصنع من كتلة الطين ما يسره، فكم وكم يكون الحال مع سيادة وسلطان الله. لذلك يستخدم الروح القدس سيادة الله المُطلقة، بالارتباط مع الفخاري والطين، في الأصحاح التاسع من رسالة رومية، حيث يُرينا أنه في عمل الْفَخَّارِيِّ، يلمع الله بسلطانه الإلهي؛ ذاك الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته، وهكذا فمن حقه أن يفعل ما يشاء، وليس للإنسان هذا الحق.
والواقع أنه إذا لم يكن الله مُطلق السلطان، فهو إذن محدود، وحاشا لله أن يكون محدودًا! فإما أن يكون مُطلق السلطان، وإلا فلا يكون هو الله. وعندما يُمارس الله سلطانه المُطلق، فهو يُمارس هذا السلطان باعتباره إله كل نعمة «لأَنَّهُ يَقُولُ لِمُوسَى: إِنِّي أَرْحَمُ مَنْ أَرْحَمُ، وَأَتَرَاءَفُ عَلَى مَنْ أَتَرَاءَفُ» ( رو 9: 15 )، لكنه لا يقول: “إِنِّي أُهْلِكُ مَنْ أُهْلِكُ”. فالنعمة والرحمة أولاً وأخيرًا هي طريق الله إلى الإنسان، وطريق الإنسان إلى الله.
ويجب أن نُدرك أن بركاتنا مرتبطة ومؤسسة على مُطلق سلطان الله. وأن سروره أن يظهر ذلك السلطان في الرحمة التي يُسرّ بها. ويجب أن نُدرك أن الله له الحق والسلطان أن يفعل ما يشاء، وأننا سنجد أن حقنا في الرحمة يرجع إلى أنه لا حق لنا فيها، وإنما تقوم راحة نفوسنا على طبيعته؛ تلك الطبيعة التي لو لم يشاء أن يُعلنها لنا في المسيح، لما كان في مقدورنا أن نعرفها، فهو الذي يعمل، وهو الذي يسمح، وهو الذي يُرتب، لأن مَن يُقاوم مشيئته، ومَن هو الذي يُجاوب الله «أَلَعَلَّ الْجِبْلَةَ تَقُولُ لِجَابِلِهَا:«لِمَاذَا صَنَعْتَنِي هكَذَا؟» ( رو 9: 20 )، أو كما يقول إشعياء: «هَلْ يَقُولُ الطِّينُ لِجَابِلِهِ: مَاذَا تَصْنَعُ؟ أَوْ يَقُولُ: عَمَلُكَ لَيْسَ لَهُ يَدَانِ؟» ( إش 45: 9 ).