عوض أن يمضي ليُعلن النعمة لدائرة أممية «قَامَ يُونَانُ لِيَهْرُبَ إِلَى تَرْشِيشَ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ، فَنَزَلَ إِلَى يَافَا وَوَجَدَ سَفِينَةً ذَاهِبَةً إِلَى تَرْشِيشَ، فَدَفَعَ أُجْرَتَهَا وَنَزَلَ فِيهَا، لِيَذْهَبَ مَعَهُمْ إِلَى تَرْشِيشَ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ» (ع3). إن الخروج عن طريق الطاعة معناه الابتعاد عن وجه الرب. لقد كان مستحيلاً فعلاً أن يُوجَد حيث لا تستقر عليه عين الله، ولكن في اللحظة ذاتها التي فيها صمّم أن يتصرف بالعصيان، كان قد أضاع من جهة الشركة الإحساس في نفسه بحضور الرب.
وفي هروبه كم من الدرجات نزل! فقد نزل إلى يَافَا، ونزل في السفينة، ثم نزل إلى جوف السفينة (ع5)، وفي الأصحاح الثاني يعترف بأنه نزل «إِلَى أَسَافِلِ الْجِبَالِ» ( يون 2: 6 ) ... عميقًا عميقًا، بحيث لم يعد هناك عمق أبعد ينزل إليه إلا أن يغوص في جُبِّ الْهَلاَكِ. لكن ذلك لم يحدث، فمهما تكن سقطته فلم يزَل ابنًا الله، وها هو الرب عتيد أن يردّه بطريقة عجيبة.
إن سبيل الذي يتصرف بعناد هي أبدًا سبيل النزول والانحدار، مهما يكن الاعتراف بالفم. فقد يفاخر واحد بأنه يعمل لله، ويتحدث عن نيل رضائه واستحسانه، بيد أنه إذا كانت الذات هي المخدومة، وليس المسيح، فسرعان ما تزلُّّ القدمان وتنحدر الخطوات، نازلة، نازلة، حتى تتذلل النفس وتندم، فتتحول إلى الله وتكون على استعداد أن تعترف بخطإ مسلكها.
وكان الله يُحب عبده العاثر حبًا شديدًا، فلم يسمح له بالنجاح وهو في طريقه الخاطئة «فَأَرْسَلَ الرَّبُّ رِيحًا شَدِيدَةً إِلَى الْبَحْرِ، فَحَدَثَ نَوْءٌ عَظِيمٌ فِي الْبَحْرِ حَتَّى كَادَتِ السَّفِينَةُ تَنْكَسِرُ» (ع4). لقد بدأ الله العمل، فليسلك الإنسان كيفما شاء، ولسوف يعلم أن كل قوته ليست شيئًا حينما يدخل في صراع مع القدير!