إذ قد استُحلف الرب يسوع، وأُلقيَ عليه القَسَم، لم يكن ممكنًا أن يظل صامتًا، وإلا كان مخالفًا للشريعة ( لا 5: 1 ). وكانت تلك اللحظة من أعظم اللحظات في حياة المسيح، إذ كان بلا شك يعلم أن السؤال لم يوجَّه إليه إلا لتُنسج منه تُهمة ضده، والجواب عليه يعني الحكم بالموت، ولكن ذاك الذي مرة أسكت الشعب الذي خلع عليه لقب “مسيا”، عندما أرادوا أن يجعلوه ملكًا، نراه الآن يتمسك بهذا اللقب عندما يكون التمسك به سببًا وعلة لقضاء الموت، فقال في ثبات وإصرار: «أَنْتَ قُلْتَ! وَأَيْضًا أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَابِ السَّمَاءِ». ويا له من معنى! فإنهم إلى لحظة يجلسون كقضاة يحكمون عليه، ولكنه في يوم عتيد سيكون هو القاضي. إنهم اليوم سيقررون مصير حياته الأرضية، ولكنه هو الذي سوف يقرر مصيرهم الأبدي.
ولطالما سمعنا من البعض قولهم إن المسيح لم يَقُل قط عن نفسه أنه أكثر من إنسان، ولكن المسيحيين هم الذين جعلوا منه إلهًا. لكن هذه العبارة التي نطق بها يسوع المسيح، من أجل القَسَم الذي أُلقيَ على مسامعه، لها وقع ولها مكان في كل قلب مُخلص. فالجالس عن يمين القوة والذي يأتي في سحاب السماء، هل يمكن أن يكون غير ذاك الذي هو ديان سرائر الناس والفاحص قلوبهم حتى أعماقها والوازن أعمالهم، والكاشف نواياهم، وبالتبعية الذي بيده أمورهم، وإليه مصائرهم.
يا له من اعتراف عظيم! إن “ابْن الإِنْسَان” يشهد عن نفسه في مسامع الكون كله، وماذا يعنينا بعد ذلك ما يقوله الناس عنه؟