المؤمن الحقيقي هو الذي يفهم أن لاهوت الابن «الْكَلِمَة» لم يفارق الناسوت إطلاقًا. لقد كان التابوت قديمًا مصنوعًا من خَشَبِ السَّنْطِ، وهو، كما يقول العارفون، لا يقربه السوس مطلقًا، رمزًا لناسوت المسيح الذي يباعده الفساد، وكان يُغشَّى بذهب نقي من داخل ومن خارج، رمز مجد اللاهوت. فهل كان في الإمكان فصل الذهب عن خشب السنط؟ كذلك لا يمكن فصل لاهوت «الابن» عن ناسوته. ويكفينا للتدليل على ذلك القول إن «الْكَلِمَة» أي الابن بلاهوته «صَارَ جَسَدًا»، أي اتخذ ناسوتًا.
وفي حياته على الأرض كان نظير التابوت. فبينما نراه في السفينة نائمًا على وسادة الثقة بالآب، إذا به، وقد أيقظه التلاميذ وقطعوا عليه راحة جسده، يأمر الريح والبحر فيمتلئ التلاميذ خوفًا عظيمًا فقالوا: «مَنْ هُوَ هذَا؟ فَإِنَّ الرِّيحَ أَيْضًا وَالْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ!». ومرة أراد اليهود أن يرجموه بالحجارة فاجتاز في وسطهم ومضى. ولما كان على الصليب والجموع من حوله غاضبون صائحون: «اصلبه! اصلبه!» لم يفارق حضن الآب فقال: «يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ». وفي نفس الوقت قدموا له خلاً ممزوجًا بمرارة «وَلَمَّا ذَاقَ» (كإنسان) رفض. ومرة أخرى عند الصليب، قال (كإنسان): «أَنَا عَطْشَانُ»، وبعدما شرب «نَادَى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَالَ: يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي».
من هذه الأمثلة القليلة نتبيَّن أن اللاهوت لم يفارق الناسوت، لأنهما معًا، هما «الْكَلِمَة». بيد أن السؤال يفرض نفسه: لماذا «صَارَ» الْكَلِمَةُ «جَسَدًا»؟ الجواب: «حَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ». إن لفظ «رَأَيْنَا» لا يعني الرؤية العابرة، بل يعني تأملناه. خلال ثلاث سنوات ونصف تقريبًا، كنا نتأمله كل لحظة ونستكشف فيه كل يوم جديدًا. أ لم يكن مجيدًا في شخصه، وكلامه، وحبه، وسلطانه يومًا فيومًا؟