«بَكَى يَسُوعُ» ... ما أغزر معاني هذه الجملة القصيرة البديعة، بل ما أجزل فوائدها. فلم يبكِ الرب يسوع لأجل نفسه، بل لأجل الآخرين؛ بكى معهم. بكت مريم وبكى اليهود، ومن السهل إدراك وفهم هذا البكاء. أما بكاء يسوع فيُعلن سرًا لا تستطيع العقول أن تسبر غوره. بكى بكاء الحنان الإلهي بواسطة عيون بشرية على الوحشة والبؤس اللذين جلبتهما الخطية على العالم المسكين. بكى عطفًا على القلوب التي سحقتها يد الموت القاسية.
فليتذكَّر هذا جميع الحزانى، فيسوع هو هو أمسًا واليوم وإلى الأبد. صحيح أن الحال تغيرت، ولكن قلبه لم يتغير «لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ» ( عب 4: 15 ). له قلب بشري كامل وهو في عرش العظمة في الأعالي. وهذا القلب يواسينا في أحزاننا، يعطف علينا في تجاربنا، يرثي لنا في ضعفاتنا، يُشاركنا في كربنا وضيقنا وتدريبنا، يهب نفسه لكل عضو من أعضائه هنا على الأرض. وكم يجد القلب لذة وحلاوة وطمأنينة في هذه المواساة. خير لنا أن يصيبنا الحزن ويحيق بنا الأسى لكي نذوق عطف يسوع. «فَقَالَتْ مَرْثَا لِيَسُوعَ: يَا سَيِّدُ، لَوْ كُنْتَ هَهُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي!» (ع21)، ولكن لولا الموت لحُرمنا من رؤية الرب يسوع وهو يبكي، ومن الإصغاء إلى أنَّات قلبه من جرَّاء حزنهما. ومَنْ ذا الذي لا يقول خيرٌ لنا أن نحظى بمواساة قلب يسوع في أحزاننا، من أن نفوز بقدرة يده في حفظنا من هذه الأحزان أو إخراجنا منها؟ أمَا كان خيرًا وشرفًا ورفعة وبركة للشهود الثلاثة في دانيآل 3 أن يتمشَّى معهم ابن الله في أتون النار، من النجاة من الطرح فيه؟ لا شك في ذلك.