موت الصليب فريد في بابه وليس له نظير، لا يتكرر بسبب فاعليته الأبدية. أي إنسان في وسعهِ أن يُعبِّر عن هذه الأحزان، أو يصف هول آلام الجلجثة حينما حمل المسيح خطايا الكثيرين في الساعة الرهيبة، لما ملأ الضعف نفسه، لما يبست مثل شقفة قوته، ولصق لسانه بحنكه، وانفصلت كل عظامه، وذاب قلبه وسط أمعائه. آه، يا لعمق حزنه وقسوة آلامه التي لا يُعبَّر عنها!
وقد دَانَ الله «الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَدِ» ( رو 8: 3 )، فصرخ المسيح متألمًا: «إِلَهِي، إِلَهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي، بَعِيدًا عَنْ خَلاَصِي، عَنْ كَلاَمِ زَفِيرِي؟» ( مز 22: 1 ). حينما كسر العار قلبه المُحب، وضُرب القدوس وجُلد ودُقت المسامير في يديه ورجليه، لم يقف بجانبه ملاك يشدده ولا مُحب ولا صديق يُطيِّب خاطره ويعضده، ومُنعت الشمس عن أن تُنير مشهد ذاك الكامل في إيمانه، كما يدل عليه صراخه، مُبررًا يهوه، ساجدًا له، مُخاطبًا إياه: «وَأَنْتَ الْقُدُّوسُ الْجَالِسُ بَيْنَ تَسْبِيحَاتِ إِسْرَائِيلَ» ( مز 22: 3 ).
وهكذا استطاع الابن أن يمجّد الآب. ولم يمكن لأحد إلا الإنسان الذي هو رجل رفقة يهوه رب الجنود، أن يتلقى في قلبه طعنة السيف المُستل؛ سيف نقمة الله. ولم يكن غيره أهلاً لأن يشرب آخر نقطة في كأس دينونة الله العادلة ضد الخطية. وليس إلا صخر الدهور استطاع أن يحتمل الأمواج واللجج. قدوس الله وحده أمكنه أن يُجعل خطية ولعنة لأجلنا. ابن الإنسان البار أمكنه دون غيره أن يكون ضامنًا لنا. مَنْ غير الراعي الصالح في مقدوره أن يموت عن الخراف؟ مَنْ غير يسوع ابن الله يقدر ويريد أن يُخلّصنا؟ أكرم به من ذبيحة! يا للغبطة التي لا يحد، الغبطة الأبدية التي تجري من عمل ابن الله الكامل!