في طريق رجوع يعقوب من فدان أرام إلى بيت إيل، توقف عند شكيم وأقام هناك ويبدو أنه كان قد عقد النية على التوطن والاستقرار الدائم. وهناك في شكيم حدثت له أمور مُذلة ومُهينة، جلبت العار والخزي لكل عائلته! وذلك موضح في تكوين 34. وبعد انتقام أولاده لأنفسهم من أهل الأرض، أدرك يعقوب أنه لا يمكن البقاء بين هؤلاء القوم إذ هو نفر قليل. وفي هذه الأثناء كان مُهيئًا تمامًا لسماع صوت الرب الذي قال له «قُمِ اصْعَدْ إِلَى بَيْتِ إِيلَ وَأَقِمْ هُنَاكَ». و“بَيْتِ إِيلَ” معناه “بيت الله”. فقد أدرك أن مساعيه لكي يجلب الخير والبركة لبيته قد باءت بالفشل بل وبالخراب والمرارة لأهل بيته، وجلب على عائلته المتاعب والأحزان. وكان الله يريد أن يُعلّمه أن يهتم أولاً ببيت الله وأمور الله وصوالحه، وهذا ما يجب أن نتعلَّمه نحن من بداية حياتنا الروحية. إلا أننا بالأسف غالبًا ما لا نتعلمه إلا بالألم والاختبارات الصعبة.
فأمور الله وصوالحه يجب أن يكون لها المكانة الأولى في حياتك أيها القارئ العزيز. وإلا فإنك ستتعلم هذا أخيرًا خلال الصعوبات والأتعاب. وعندما تكلَّم الله إليه استيقظ ضميره النائم وأدرك أن الذهاب إلى “بَيْتِ إِيلَ” يتطلب عزل الآلهة الغريبة وتبديل الثياب. فالأصنام والنجاسة والفساد لا تليق ببَيْتِ إِيلَ الذي تليق به القداسة فقط. فعزل كل ما لا يتفق ببَيْتِ إِيلَ، هذا من الناحية السلبية. ولكن هناك ما هو أجمل، وهو الأمر الإيجابي، عندما قال: «وَلْنَقُمْ وَنَصْعَدْ إِلَى بَيْتِ إِيلَ، فَأَصْنَعَ هُنَاكَ مَذْبَحًا ِللهِ الَّذِي اسْتَجَابَ لِي فِي يَوْمِ ضِيقَتِي» (ع3). فقد تيقن أن الله أمين في كل وعوده، فلذلك لم نسمعه يتكلَّم كلمة واحدة في هذه المرة. فقد أدرك أمانة الله العظيمة، وأدرك أيضًا عدم أمانته هو.