يتمتع شعب الله بصفة “أولاد الله” بصورة مضاعفة. فهم ذرية الله بالخليقة، وهم أبناؤه بالتبني في المسيح. ولذا فلهم الحق أن يدعوه «أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ». نعم «أَبَانَا»! ... ويا لها من كلمة ثمينة. ففيها نجد “السُلطَة” «فَإِنْ كُنْتُ أَنَا أَبًا، فَأَيْنَ كَرَامَتِي؟» ( ملا 1: 6 )، وإن كنتم أبناءً فأين طاعتكم؟ هنا نجد “العطف” مُمتزجًا بالسُلطَة. فالسُلطَة هنا لا تستثير التمرد، والطاعة مطلوبة ولكنها تُتمَّم بكل فرح، ولا يُمتنع عنها حتى لو كان ذلك ممكنًا. فالطاعة التي يُبديها أولاد الله هي طاعة المحبة. نحن لا نذهب لخدمة الله كعبيد تحت إمرة مُسخرهم، ولكننا نسلك في سبيل وصاياه لأنها سبيل أبينا، ونُقدِّم أعضاءنا كآلات بر لله، لأن البر هو ما يريده أبونا.
«أَبَانَا»! ... هنا نجد الصفة الملكية مُرتدية رداء المحبة، حتى أن تاج الملك يُنسى في مرأى وجه الملك ذاته. هنا نجد الكرامة مع المحبة. فما أعظم محبة الآب لأولاده. لا تستطيع الصداقة أن تعمل ما تعمله المحبة. لا ولا حتى البر والإحسان بقادرين أن يحلا محلها. كلا، بل إن قلب الآب ويده يعملان معًا من أجل أولاده. فهم ذريته، وهو لا بد أن يباركهم. وهم أولاده ولا بد أن يُظهر قوته في الذود عنهم. وإذا كان الأب الأرضي يرعى أبناءه بالمحبة والعناية اللتين لا تنقطعان، فكم بالأحرى كثيرًا أبونا السماوي.
«يَا أَبَا الآبُ»! ... مَنْ يستطيع أن ينطق بهذه العبارة، يكون في نظر الله قد نطق بأشجى نغمات الترنيم التي لا تستطيع ترنيمات الكروبيم والسرافيم أن تصل إلى مستواها. فالسماء موجودة في عُمق هذه الكلمة «الآبُ». فيها كل ما أستطيع أن أسأله، وفيها كل احتياجاتي التي يمكن أن أطلبها، وكل رغباتي التي يمكن أن أتمناها. إنني أملك الكل في الكل في كل طول الأبدية إن كنت قادرًا أن أقول: “أبي السَّماوي”.