أتى الرب يسوع من الناصرة، المكان المتواضع المحتقر في الجليل ( مر 1: 9 )، وخضع لمعمودية يوحنا، ليس لأنه كان لديه ما يعترف به، ولكن لأنه توحَّد وربط نفسه مع تلك النفوس التي خَطَت خطوة في الاتجاه السليم، بإعلانهم التوبة. عندئذٍ، وقبل أن يبدأ خدمته الجهارية، أُعلِن اعتماد السماء لذلك الخادم الكامل، لئلا يُسيء أحد تفسير معموديته المتواضعة. فنزل عليه الروح القدس من السماء «مِثْلَ حَمَامَةٍ» (ع10)، وسُمِعَ صوت الآب يُعلن شخصه وكماله «أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ» (ع11). فخادم الرب خُتِم هو نفسه بالروح القدس، وكانت الحمامة تجسيدًا للنقاء والسلام. ولكونه صار إنسانًا، كان لا بد أن يأخذ - هو نفسه - الروح القدس، أما عند قيامته فإنه كان سيسكب الروح القدس على آخرين ليعمدهم به. أما هنا، فإذ نزل عليه الروح القدس خرج مؤيدًا لكي يخدم.
وكان أول عمل للروح القدس مع الرب يسوع، أنه «أَخْرَجَهُ الرُّوحُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ ... يُجَرَّبُ مِنَ الشَّيْطَانِ» (ع12، 13). فلكونه قد قدَّم نفسه لخدمة إرادة الله، كان لا بد أن يُمتَحَن، والروح القدس هو الذي اقتاده لهذا ( لو 4: 1 ).
كان لا بُد أن يُمتحن الخادم قبل أن يبدأ خدمته للجموع. عندما ظهر الإنسان الأول، أسرع الشيطان بتجربته وسقط. والآن، جاء الإنسان الثاني، وكان لا بُدَّ أيضًا أن يُجرِّبه الشيطان نفسه. ولكن بدلاً من أن يُجري الامتحان في جنة جميلة، جَرَت في البرية، وهي ما حوَّل آدم الأول جنته إليها. «وَكَانَ مَعَ الْوُحُوشِ» (ع13)، وهي الطبيعة التي اكتسبتها الحيوانات بسبب خطية آدم. وقد جُرِّب «أَرْبَعِينَ يَوْمًا»، وهي المدة الكاملة للامتحان الصارم، وخرج منتصرًا. لقد اُمتُحن خادم الرب امتحانًا كاملاً، وقد ثبت كماله، وهو الآن مستعد للخدمة.