إثر عودة الابن الضَّال، كانت المفاجأة كبيرة، لكن ذلك لم يكن مجرّد عاطفة وقتية. لقد كساه أبوه بالْحُلَّةَ الأُولَى، وقدّم له خاتمًا ثمينًا يذكّره بمكانته كابن، ولم ينس حتى قدميه الحافيتين، فأعطاه حذاءً لينتعله، بل وأشركه في مائدة فرحٍ عظيمة. كان الأب يُعلن بهذا العمل عن قبوله اياه كابن محبوب مكرّم في بيته. وتُظهر هذه القصة لمحة من قلب الآب السماوي وقبوله للخاطئ الضال الذي تاب وصمّم على الرجوع إليه.
هذا هو الأب الحقيقي الذي يُقدِّم الغفران ويفيض بالحنان ويكسو حتى الأبدان.
ما أحلى تلك النقلة التي يعملها الله في حياة كل تائب راجع بدموع، فهو «الَّذِي أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ» ( كو 1: 13 ). لقد أنقذنا من الذلّ والعبودية إلى الإكرام والبنوّة. من البعد والغُربة،إلى القُرب والشركة. ومن الكورة البعيدةإلى بيته المُحتضِن. عندما يأتي الانسان إلى الله ويقبله في حياته، فإنّ الله يباركه ويلمس كل ما في حياته، فيحوّل المرارة إلى حلاوة، والقسوة إلى لطف، واللعنة إلى بركة، والحياة البائسة إلى حياة فُضلى.
عندما ترجع إلى الله بالإيمان فأنت تأخذ حياة الله، وتنطبع فيك صفاته الأدبية أيضًا: فان كان الإنسان الطبيعي، مُحبًا لنفسه، ففي حياة الإيمان يصير محبًا لله وللآخرين. بدل العبودية للمال والتعلّق المَرَضي به، فانه يستعمل المال كوكيل أمينٍ حكيمٍ. بدل التعظّم والكبرياء، يتعلّم الإنسان المؤمن ما هو التواضع الحقيقي. مكان التجديف والتعدّي، يحلّ الشكر لله وللآخرين . بدل النجاسة والقساوة، يتسربل المؤمن بالقداسة والحنان. عندها فقط يمكن أن يعرف الانسان ويختبر ما هي المحبّة والصلاح والأمانة وباقي الصفات الرائعة التي يعطيها الله نفسه، ولا يقبلها ويعيشها إلاّ مَن اختبر شخصه وذاق حبّه متمتّعًا بخلاصه الأبدي.