علينا أن نلاحظ جيدًا أن المسيح لم يُجَرَّب قط من داخله. وعبارة: «مُجَرَّبٌ ... بِلاَ خَطِيَّةٍ» ( عب 4: 15 )، لا تصف لنا نتيجة التجربة بل طبيعتها. وهو لم يُجَرَّب ليَظهر إذا ما كان سيسقط أم لا، بل لإظهار أنه لا يمكن أن يسقط، فهو القدوس قداسة مطلقة، كحضن الآب الذي منه قد أتى. ولقد تَجَرَّب المسيح كالإنسان لثلاثة أسباب على الأقل:
(1) سبب يرتبط به: لكي يتبرهن قداسة المسيح ليصلح أن يكون فدية. فهو لو لم يَتَحمَّل الجوع في البرية، كيف كان سيتحمل الصليب مستهينًا بالخزي؟ ونلاحظ أن الذي أعلن أنه المُكَمِّل لكل بر ( مت 3: 15 )، ها هو يبرهن هنا أنه المُنتصر على كل تجربة. في أيام موسى، ليتم فداء أبكار الشعب من المُهلك، كان على كل بيت أن يأخذ شاة صحيحة، تُذبح ويُرش دمها على البيوت التي هم فيها. ولو اتضح أن الحمل به أي عيب، ما كان يصلح لأن يُقَدَّم ليكون فدية. ففي مسألة القصاص والقضاء، الذي فيه الخطية هو الذي يموت، لكن في مسألة التكفير والفدية، الذي فيه عيب لا يموت، إذ إنه لا يصلح أن يفدي، بل الخالي من العيوب هو الذي يموت لكي يفدي المذنب.
(2) سبب يرتبط بنا: لكي ما يُشبهنا في كل شيء، وبالتالي لكي يكون رئيس كهنة رحيمًا وأمينًا «لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ» ( عب 2: 18 ).
(3) سبب يرتبط بالشيطان: أوضحه المسيح بقوله: «كَيْفَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ الْقَوِيِّ وَيَنْهَبَ أَمْتِعَتَهُ، إِنْ لَمْ يَرْبِطِ الْقَوِيَّ أَوَّلاً، وَحِينَئِذٍ يَنْهَبُ بَيْتَهُ؟» ( مت 12: 29 ). ففي البرية ربط المسيح الشيطان أدبيًا، من ثم أخذ يجول لينهب أمتعة ذلك العدو القوي، ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس ( أع 10: 38 ).