من إنجيل يوحنا نفهم أن “يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيُّ” هو الذي بدأ الاعتراض، وسايره باقي التلاميذ ( يو 12: 5 ). وأما الإتلاف الحقيقي فلم يكن من جانب مريم القديسة بل من جانب يهوذا الخائن. فبالنسبة للمسيح، مهما عُمل له من إكرام لا يمكن أن يكون أكثر مما يستحقه له المجد؛ لكن ماذا بالنسبة لمن باع سَيِّده بأبخس الأثمان، بل باع نفسه وأبديته للشيطان؟ إن الإتلاف حقًا هو عندما باع يهوذا سَيِّده بالفضة، ثم بعد ساعات أرجع الفضة لرؤساء الكهنة مع كلمات الندم التي لا تُفيد، ثم مضى وخنق نفسه! هذا هو الإتلاف حقًا. ولعله من المثير أن نعرف أن تعبير الهلاك في اللقب الذي أعطاه المسيح ليهوذا “ابن الهلاك”، هو بعينه - بحسب الأصل اليوناني - التعبير الذي استخدمه يهوذا هنا، وتُرجم اتلاف. وبالتالي فيمكننا أن نقول عن يهوذا إنه ابن الإفساد والإتلاف.
وللأسف ساير التلاميذ هذا الخائن في وجهة نظره. كانوا كلهم جسديين وسايروا يهوذا السارق، عندما اعتبروا الفقراء أهم من المسيح. وهذه الكلمات كم أنشأت من الجراح في قلب مريم، وبالأكثر في قلب الرب يسوع، فحتى تلاميذه مزجوا إكرامه بما ينغص، وجعلوا في طعامه علقمًا!
كان هناك فارق كبير - مثل قطبي المغناطيس - بين قلب مريم وقلب يهوذا. كانت مريم مشغولة بما تُقدِّمه للرب، وأما يهوذا فكان مشغولاً بما يأخذ من الرب. لكن دعنا لا ننسى أن ما قدّمته مريم، مهما كان غاليًا فإنه لا يمكن أبدًا مقارنته بما كان الرب مزمعًا أن يقدمه لها، ولنا جميعًا: ففي بقية أصحاحنا، سنقرأ قول المسيح: «هذَا هُوَ دَمِي ... الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا» ( مت 26: 28 ). وما أبعد المسافة بين سكب الطيب وسفك الدم!