عندما قيل لداود: «إِنَّ أَخِيتُوفَلَ بَيْنَ الْفَاتِنِينَ مَعَ أَبْشَالُومَ»، فقد سُحق قلب الملك المسكين بهذا. وهكذا جفت كل المصادر البشرية للمعونة بخلاف المصدر الوحيد الذي كان كافيًا له تمامًا، ولم يجد داود سبيلاً إلا اللجوء إلى الصلاة والتضرع إلى الله على رجاء أن يرحمه ويُنجيه من انتقام أَخِيتُوفَل، وترجَّى أن يكون لدى الله بعدُ سبيل إلى إظهار رحمته نحوه؛ وهكذا صلى قائلاً: «حَمِّقْ يَا رَبُّ مَشُورَةَ أَخِيتُوفَلَ» ( 2صم 15: 31 ).
كان داود – رغم كل شيء – هو رجل الإيمان؛ الرجل الذي حَسَبَ قلب الله. لقد عرف الرب، وعرف مخازن نعمته التي لا تُحدّ. لقد كان يعرف ويُدرك ما قاله أيوب عن الرب: «عِنْدَهُ الْحِكْمَةُ وَالْقُدْرَةُ. لَهُ الْمَشُورَةُ وَالْفِطْنَةُ ... يَذْهَبُ بِالْمُشِيرِينَ أَسْرَى، وَيُحَمِّقُ الْقُضَاةَ ... يَنْزِعُ عُقُولَ رُؤَسَاءِ شَعْبِ الأَرْضِ، وَيُضِلُّهُمْ فِي تِيهٍ بِلاَ طَرِيقٍ» ( أي 12: 13 -24).
وفي أثناء هربه، لم تكن الفرصة سانحة لداود ليقضي وقتًا طويلاً في الصلاة لله. ولكن الصلاة الحقيقية لا تُقاس بطولها، بل بعمقها. وهكذا سكب داود ذوب قلبه في صلاة قصيرة عميقة: «حَمِّقْ يَا رَبُّ مَشُورَةَ أَخِيتُوفَلَ». ويا للصلاة القصيرة العميقة التي سُمِعَت في الأعالي، واستُجيبت في حينها! ويا للتشجيع الذي لنا في هذه الاستجابة! لقد استُجيبت الصلاة في الحال بوصول ”حُوشَايَ الأَرْكِيِّ“ الذي كان الرب سيستخدمه في “إِبْطَالِ مَشُورَةِ أَخِيتُوفَلَ الصَّالِحَةِ لِيُنْزِلَ الشَّرَّ بِأَبْشَالُومَ” ( 2صم 15: 32 -37؛ 16: 15-17: 14). حقًا إن «طِلْبَة الْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا» ( يع 5: 16 ). ومرة أخرى يتبرهن لنا أن الصلاة هي قوة الضعفاء، وسلاح العُزَّل، ودفاع مَن لا سند أو عضد له.