أوصى الناموس الشعب القديم أن يحبُّوا أقرباءهم ( لا 19: 18 ). ومع أنهم لم يُوصوا صراحة بكراهية أعدائهم، فإن هذه الروح كثيرًا ما كانت ترافق تعاليمهم. كان موقفهم هذا تلخيصًا لنظرة العهد القديم تجاه الذين كانوا يضطهدون شعب الله ( مز 139: 21 ، 22). وموقف العداء هذا كان مُبرَّرًا لأنه كان موجَّهًا ضدّ أعداء الله. ولكن الرب يسوع يُعلِن الآن أن علينا أن نُحبّ أعداءنا، وأن نُصلي من أجل الذين يطرودوننا. وبما أن الرب يوصي بالمحبة للعدو، فهذا يعني أن المسألة ليست مسألة عواطف بالدرجة الأولى، بل مسألة إرادة. والأمر لا يتعلَّق بالمشاعر الطبيعية، لأنه ليس من الطبيعي أن نُحبّ الذين يكرهوننا ويؤذوننا. هذا الأمر يحتاج إلى نعمة من السماء يُمكنها أن تظهر فقط عند الذين يتمتعون بحياة جديدة من عند الله.
هذا ولا توجد مكافأة لنا إن أحببنا الذين يُحبّوننا فقط. فالرب يقول: إنه حتى الْعَشَّارُونَ الخُطاة يَفْعَلُونَ ذَلِكَ (ع46). فهذا النوع من المحبة لا يتطلَّب قوّة إلهية. وليس لنا أي فضل إن كنا نُسلّم على إخوتنا فقط؛ أي أقربائنا وأصدقائنا، فغير المؤمنين يفعلون هذا أيضًا، ولا وجود لشيء مسيحي مُميَّز في هذا الأمر (ع47). إن لم تكن مستوياتنا أعلى من مستويات العالم، فلن نستطيع التأثير في العالم أبدًا.
قال الرب يسوع إن أتباعه يجب أن يُقابلوا الشرّ بالخير “لِكَيْ يَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيهُم الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (ع45)، لكنه لم يَقُل إن هذه هي الطريقة التي يمكن بواسطتها أن نُصبح أبناء لله، إنما هي الطريقة التي نُظهر من خلالها أننا أولاد الله. وبما أن الله لا يُظهر تحيُّزًا لصالح أيّ من الطرفين؛ الشرير والصالح، بمعنى أن الاثنين يستفيدان من المطر والشمس، هكذا علينا نحن أيضًا أن نتعامل بعدل ورحمة مع الجميع على السواء.