قبل أن يشترك في وليمة الفصح مع تلاميذه، قام عن العشاء وخلع ثيابه واتَّزر بمنشفة، ثم صبَّ ماء في مِغسلٍ، وانحنى أمام كل واحد من التلاميذ ليغسل أرجلهم. وماذا كان الدافع لعمل التواضع هذا من قِبَل رب المجد؟! لقد أكمل العبد الكامل خدمته بالتمام، وكان في إمكانه أن يخرج حُرًا. فلماذا لم يخرج؟ لقد أراد أن يكون لأحبائه نصيبًا معه. لقد قَبِلَ العبد الكامل الأمين أن تُثقب أذنه فيكون عبدًا إلى الأبد. كان مُزمعًا أن يترك خاصته، ولكنه قبل ذلك حرص على أن يُريهم ماذا ستكون مشغوليته الدائمة وهو في السماء، في الوقت الذي فيه تلاميذه ما زالوا يعبرون السبيل في الأرض. كان سيُطهّرهم يومًا فيومًا من النجاسة المتعلقة بالطريق. فبدون الطهارة والقداسة لا يمكن أن يكون لنا نصيب وشركة معه. ولم يتغير قلب مخلصنا المحبوب، منذ تلك الليلة المشهورة. واليوم أيضًا ما يزال يقوم كل يوم بعمل التطهير لكل واحد من خاصته. لقد انحنى حتى يمكن لنا أن نتمتع بالشركة المباركة معه التي بدونها لم يكن ممكنًا أن نعرفها.
ولكن إن كان قلبه لم يتغير، فإن النصيحة التي تركها لخاصته في تلك الليلة هي هي اليوم: «حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا» ( يو 13: 15 ). نحن أيضًا؟! ... نعم، نحن أيضًا المؤمنون، علينا أن ننحنى ونجثو ونغسل أرجل إخوتنا بكل تواضع ومحبة بأن نقدم لهم كلمة الله التي هي وحدها “الماء” الذي يُطهّر، حتى إذ يوبَّخون منها، يرجعون إلى الرب ويجدون مرة أخرى نعمته ورحمته اللتين تغفران وتُباركان. فلنتأمل هذا المثال الكامل، ولنتشبع بالروح الذي ينعش قلبه، ولنتذكر صبره من نحونا، وحينئذ إذ نعرف محبته معرفة أفضل، نستطيع بصورة أحسن أن نتمم وصيته «كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا، تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضاً بَعْضُكُمْ بَعْضًا».