اجتمعت الجموع حول الرب، وزحموه، ولكن لم ينالوا منه أية بركة سماوية، ذلك لأنه لم يكن فيهم إيمان، وكان الدافع لهم للحضور للرب هو حب الاستطلاع فقط. غير أنه ظهر بين هذا الجمع امرأة مسكينة تحمل بين جوانحها إيمانًا شديدًا بالرب، وفي اللحظة التي مدَّت أصبع إيمانها ومسَّت هُدب ثوبهِ، نرى الرب يقول - شاعرًا في نفسه بالقوة التي خرجت منه: «مَنْ لَمَسَ ثِيَابِي؟»، ولما رأت المرأة ذلك خافت وارتعدت وخرَّت له، وأخبرته قدام جميع الشعب كيف لمسته، وكيف برئت في الحال: فقال لها: «ثِقِي يَا ابْنَةُ، إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ». فيا له من عطف شديد به يعامل الرب يسوع الخطاة المساكين، إذ حالة هذه المرأة هي بالتمام حالة كل خاطئ. والرب يعامل الخطاة الذي يأتون إليه بنفس الطريقة التي عامل بها هذه المرأة، فهو في الحال يستطيع أن يُسدِّد بالتمام كل حاجاتهم. قد اتَّبعت هذه المرأة الطريق الصحيح - طريق الإيمان - عرفت أنها قد فقَدت كل رجاء، ولم يَعُُد أمامها أي أمل إلا في الرب يسوع؛ فهي قد تألمت كثيرًا من أطباء كثيرين، وأنفقت كل ما عندها، ولم تنتفع شيئًا، بل صارت إلى حال أردأ. وهكذا أتت يدفعها شعورها العميق بحاجتها إليه، ويقينها الكامل بفقرها المُدقَع ويأسها المفرط؛ أتت وقد انتُزع من قلبها كل أمل في أية مساعدة بشرية، فقد جرَّبت وتألمت كثيرًا، واستعملت كل الوسائط حتى أنه نضب من أمامها كل معين إلا ذاك النبع الدائم الجريان - نبع المحبة الفدائية - في هذه الحالة، حالة الشقاء التام أتت ليسوع «لأَنَّهَا قَالَتْ: إِنْ مَسَسْتُ وَلَوْ ثِيَابَهُ شُفِيتُ». وتبارك اسم الرب فإنه لم يُخزِ إيمانها. وأي شخص غيرها أتى ليسوع بالإيمان وأصابه الخزي؟ لا أحد. لأنه مكتوب «مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا» ( يو 6: 37 ).